طبيعة التعليم داخل نظام طوائف الحرف في القرن التاسع عشر

حسين الحاج

(كتب هذا المقال في بداية عملي على بحثي في تاريخ تعليم الفنون في مصر من أجل إلقاء الضوء على السياق التاريخي الذي نشأ فيه تعليم الفنون العام)

قبل تحول التعليم الفني في مصر إلى نظامًا مؤسسيًا كانت مهمة التعليم منوطة بالمجتمع اﻷهلي من خلال نظام طوائف الحرف في القاهرة. لذلك يصبح من الضروري إلقاء الضوء في البداية على طبيعة التعليم داخل ذلك النظام والعوامل التي أدت إلى تحلله وانهياره في أواخر القرن التاسع عشر.

اتبعت التنظيمات الداخلية لطوائف الحرف تنظيمًا تراتبيًا هرميًا قوامه من أسفل إلى أعلى: الصبي ثم العريف ثم المعلم أو اﻷسطى ثم المختار فالنقيب فشيخ الطائفة. وقد تنوعت الصناعات الحرفية في القاهرة بين الصناعات الغذائية والصناعات المتعلقة بالكساء والصناعات الخاصة بالسكن والتأثيث وأعمال الخدمات.

وبالنسبة للصبيان فإن لكل معلم عدد من الصبيان ﻻ ينبغي أن يتعداه وتبلغ مدة تمرين الصبي سبع سنوات يجتاز بعدها امتحانًا ليرتقي إلى مرتبة العريف. وليس هناك ما يدل على إلتزام بفترة تمرين معينة ولكن فترة تمرينه كانت تقصر أو تطول تبعًا استعداده الفطري، ويراعى تعويض المعلم عما تحمله من مشقة وعن المواد التي أتلفها الصبي كما كان الحال في أوروبا في القرون السابقة للانقلاب الصناعي.

وإذا ترك الصبي معلمه فإنه ﻻ يستطيع اﻹلتحاق بمعلم آخر إﻻ بعد الرجوع إلى شيخ الطائفة، ويمكن القول بأن كل صبي كان ملزمًا بأن يلتحق برئيس أو معلم يلقنه أسرار الحرفة وتقاليد الطائفة، ويزكيه حين يحصل على الخبرة اللازمة ويصبح أهلاً للترقية. وبمجرد أن يتعلم الصبي فإنه يحصل على أجر يزيد بزيادة مهارته.

أما العريف، فإن درجته هي مرتبة وسطى بين الصبيان والمعلمين تتيح له نصيبًا أكبر من العائد وتيسر له إطلاعًا أوسع على أسرار الحرفة وفنونها وتقاليدها. وعدد من يستخدمه المعلم من العرفاء محدود ﻻ يتجاوز اثنين. وتتراوح مدة عمل العريف بين ثلاث وخمس سنين.

وعندما يصبح العريف ماهرًا في صنعته وقادرًا على أن يصنع في مجال حرفته عملاً ممتازًا يشهد له بأنه يستحق أن يكون معلمًا أو أسطى. يقوم بعرض نماذج من عمله على معلمه وباقي المعلمين حينئذ يشهدون له ويخبرون شيخ الطائفة بذلك، فيحضره ويختبره، فإن وجده أهلاً ﻷن يكون معلمًا قلده إياها.

حالة طوائف الحرف في أواخر القرن التاسع عشر:

تعرضت طوائف الحرف في تلك الفترة إلى مجموعة من العوامل التي ساعدت على تدهورها وتمثلت في الضرائب التي خضع جميع الحرفيين لدفعها مهما كانت حالتهم واﻷجانب الذين عملوا في الكثير من الحرف والمهن ونافسوا الحرفيين القاهريين وتطور حياة الطبقتين العليا والوسطى وما تبع ذلك من تغير في اﻷذواق أدى إلى الاعتماد على أوروبا في كثير من لوازم المعيشة والترف وأدى إلى قلة الطلب على المصنوعات المحلية، تلك المصنوعات التي لم تستطع أن تواجه اﻹتقان الوارد من الخارج وبالتالي قضت الصناعات اﻷجنبية على الصناعات المحلية.

بتسوية لندن عام 1840 انتهت سياسة اﻹحتكار التي اتبعها محمد علي، حيث أدى ذلك إلى قلة إنتاج مصانع الدولة وإلغاء معظمها ودخول مصر في عصر الحرية اﻹقتصادية وترتب على ذلك عودة الصناع والحرفيين إلى محالهم وكان يمكن أن يؤدي ذلك إلى انتعاش الصناعات الحرفية، إﻻ أنها تدهورت بسبب حدة منافسة اﻹنتاج اﻷجنبي الذي دخل البلاد في أعقاب تسوية لندن حيث قضى على بعض هذه الصناعات فلم يكن بمقدور الصناعات الحرفية التي تعتمد على العمل اليدوي وتستخدم اﻷساليب العتيقة أن تنافس المصنوعات اﻷجنبية رخيصة الثمن متقنة الصنعة والتي تنتجها اﻵﻻت البخارية وتدعمها رؤوس أموال كبيرة والكفاءات الفنية المدربة وخاصة إذا كانت أبواب البلاد مفتوحة بسبب انخفاض الرسوم الجمركية على الواردات اﻷجنبية فحل الكساد باﻷحياء التي ازدهرت فيها تلك الصناعات وبخاصة في القاهرة.

ثم وقعت مصر تحت اﻹحتلال البريطاني عام 1882، وكانت خطة اﻹستعمار البريطاني تتلخص في القضاء على الحياة الصناعية في البلاد وغلق أبواب المصانع الحكومية، وتحطيم الحرف الصغيرة حتى تحل السلع اﻹنجليزية محل المصنوعات المحلية حتى بين أفراد الجماهير الكادحة وكانت نتيجة ذلك تشريد عدد كبير من صغار الحرفيين بما فرض عليهم من ضرائب باهظة وقوانين جائرة.

ويعتبر أن المرسوم الصادر في 1890 أو ما يطلق عليه اسم قانون براءة اﻹختراع Patent law وليد اﻹحتلال البريطاني والذي صدر تحقيقًا لسياسة استعمارية مبيتة لهدم نظام الطوائف حيث ترتب على صدوره ظواهر اجتماعية تمثلت في البطالة والتشرد، وساعد على تفكيك عُرى الصناعات الصغيرة حيث ينص على تقرير عوائد إصدار رخص على الصنائع وكانت مادته اﻷولى تبيح ﻷي شخص ممارسة أي صناعة أو حرفة أو فن أو تجارة دون التقيد بنظام الطوائف ويعتبر هذا المرسوم شهادة وفاة رسمية لنظام الطوائف حيث ترتب عليه إلغاء نظام تدريب الصبية الذي كان معمولاً به في الطوائف فأصبح ﻻ يؤلف بين أفراد الحرفة الواحدة سوى جماعات اختيارية وهكذا تم إلغاء الطوائف الحرفية عام 1890 ولم يكن هذا اﻹلغاء إﻻ إشارة على اختفاء الصناعات المحلية التي حلت محلها البضائع اﻷوروبية.

إﻻ أنه بعد مرور ما يقرب من عشرين عامًا واضمحلال الصناعات الحرفية والعمال الحرفيين، اهتم المجتمع المدني المصري الحديث باستعادة الحرفيين المهرة من خلال مأسسة التعليم الفني. فقد أنشئت جمعية العروة الوثقى اﻹسلامية باﻷسكندرية عام 1904 مدرسة محمد على الزخرفية المعمارية والتي تعتبر نقطة البدء في التعليم المؤسسي الحديث للفنون الحرفية في مصر. لكن ذلك حديث آخر يطول.

المصادر

الحرف والصناعات في عهد محمد على / تأليف: صلاح أحمد هريدي وتقديم: عمر عبد العزيز عمر – القاهرة: دار المعارف، 1985.

طوائف الحرف في مدينة القاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1841 – 1890) / تأليف: نبيل السيد الطوخي – القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 2009.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s